الشيخ داود الأنطاكي
143
النزهة المبهجة في تشحيذ الأذهان و تعديل الأمزجة
ما سبق . إذا عرفت ذلك فاعلم : أن غالب احكام البدن من حيث الهواء فإنه يدخل في الأجسام والمتناولات ، فإذا لزمت السنة طباعها المعلومة في الأربعة صح الهواء ، وإلّا تغير بحسب الحوادث ، وليس اللازم من صحته انتفاء الأمراض اصلًا ؛ لاستنادها إلى غيره . لكن يلزم أن تكون أخف واسرع برءاً . ثم الكائن عند التغير من الأمراض ما تقتضيه الطبيعة الحاضرة ضرورة ، فشأن الربيع تهييج نحو الحكة والخراج والزكام والسعال والبثور والمفاصل وكل دموي ، وشأن الصيف ، ضعف الهضم ؛ لانحلال الغريزية ؛ فلذلك تقصر فيه الأمراض اما بالصحة إن اشتدت القوة أو العكس . وبعض امراض الربيع مثل الجرب والرمد لاشتراكهما ، وكذا البواقي في الاشتراك الواقع في الكل ، والخريف ، الاحتباس والاحتراق والطحال والربع والسل والاختلاف وأوجاع المفاصل وعسر البول والجنون ، وفيه أكثر امراض الصيف ؛ لضعف التحليل بخلاف الصيف فإنه يحلل الأكثر من أمراض ما قبله ، والشتاء ، ادرار البول ؛ لقلة العَرَق بالتكاثف الخارج والقروح نحو ذات الجنب وامراض الصدر والصوت . وإذا كانت السنة على الطبائع الأصلية حدث كل في محله . ومتى كانت فصلين فا قل أو ثلاثة فبحسبها ، وكذا القول في الهواء مع الفصول ، فقد قرر ابقراط : أن الشمال إذا كثر في الشتاء مع قلة المطر ، والجنوبي في الربيع مع كثرة المطر ، كان الصيف كثير الحميات ؛ لفرط الرطوبة وكثر اختلاف الدم إن تسفلت المادة ، ونحو الرمد إن ارتفعت ، وكذا لو احتبس المطر اصلًا ولو انعكس هذا الحكم ، فصار الشتاء جنوبياً كثير المطر والربيع عكسه كثير الاسقاط ؛ لاحتباس الرطوبة ، لتكثيف سطح البدن بالهواء الشمالي وضعفت الأجنة وسائر المرطوبين . وقد صرح ابقراط على الاجمال : بأن قلة المطر خير من كثرته ، وهذا غير صحيح . والحق : أن السنة متى يبست صح كل